ابن الحسن النباهي الأندلسي
182
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
المكتوب ، وتؤذن ببراءة المحبوس من العدد المطلوب ، وإن كان من جدّ هذا القول ليس من أهل التحبير ، ولا ممّن عرف بجودة البيان وبلاغة التعبير ، فإنه ذو عسرة جادّ بما وجد ، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدّة ما به من الكمد ، أبقاك اللّه وكتب لك سداد الرأي وسعادة الأبد ، وعزّا ونعيما لا يحصرهما حدّ ، ولا ينتهيان إلى أمد ! وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله ، صلاة دائمة ما دام ثناؤه في الألسن وثراه في الخلد ! قال الشيخ أبو القاسم : وختم الكتاب بعد ما علقه لأعجميّ له ودفعه لمن بلّغه . فما تمّ النهار إلّا والبشير قد وصلني بالإعتاب ، ورفع التوجّه من العتاب . والحمد للّه على ما منح من ذلك ! قال المؤلّف - أدام اللّه سعادته ! - : وهذا المرسوم الفريد ، إن كان شيخنا أبو عبد اللّه بن بكر قد أتى به على البديهة ، إنّه لأغرب من الخطبة التي قام بها منذر ابن سعيد بين يدي الخليفة الناصر ، حين أرتج « 1 » على محمد بن عبد البرّ وحيل بينه وبين ما رواه ، وانقطع القول بأمير الكلام أبي عليّ القاليّ . وإن كان الشيخ قد جدّد قديما ما أظهره وأعدّه ، قصد مناظرة أخيه ؛ فلقد أحسن في عمله ما شاء ، وأجاد الإبداع والإنشاء . ويقرب من هذا النمط ما حدّثنا به صاحبنا الخطيب أبو جعفر الشقوريّ « 2 » عن القاضي أبي عبد اللّه المذكور ، أنّه كان قاعدا يوما بين يديه ، في مجلس قضائه من حضرة غرناطة - مهّدها اللّه تعالى ! - وإذا بامرأة قد رفعت له بطاقة مضمّنها : يا سيّدي - رضي اللّه عنكم - إنّما محبّتها في الرجل الذي طلّقها وهي تريد من يكلمه في ارتجاعه لها وردّها إليه . قال : فتناول القلم ، وكتب على ظهر البطاقة أحرفا ، ودفعها إليّ ؛ فإذا هي : « الحمد للّه ! من وقف على ما في القلوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث ، وليشفع لتلك المرأة عند مفارقها تأسّيا بشفاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! لبريرة في مغيث ! واللّه تعالى يسلّم لنا العقل والدين ، ويسلك بنا سبيل المهتدين » !
--> ( 1 ) أرتج عليه الكلام : استغلق فلم يقدر عليه . محيط المحيط ( رتج ) . ( 2 ) حديث الشقوري في نفح الطيب ( ج 5 ص 386 ) .